أبي هلال العسكري

139

الصناعتين ، الكتابة والشعر

صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين كما أن من أتمّ صفات الشاعر أن يكون خطيبا كاتبا . والذي قصّر بالشعر كثرته وتعاطى كلّ أحد له حتى العامة والسفلة ؛ فلحقه من النقص ما لحق العود والشّطرنج حين تعاطاهما كلّ أحد . ومن صفات الشعر الذي يختصّ بها دون غيره أنّ الإنسان إذا أراد مديح نفسه فأنشأ رسالة في ذلك أو عمل خطبة فيه جاء في غاية القباحة ، وإن عمل في ذلك أبياتا من الشعر احتمل . ومن ذلك أنّ صاحب الرئاسة والأبّهة لو خطب بذكر عشيق له ، ووصف وجده به ، وحنينه إليه ، وشهرته في حبّه ، وبكاءه من أجله لاستهجن منه ذلك ، وتنقّص به فيه ؛ ولو قال في ذلك شعرا لكان حسنا . كيف تعمل للشعر وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعاني التي تريد نظمها فكرك ، وأخطرها على قلبك ، واطلب لها وزنا يتأتّى فيه إيرادها وقافية يحتملها ؛ فمن المعاني ما تتمكّن من نظمه في قافية ولا تتمكّن منه في أخرى ، أو تكون في هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه في تلك ؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزّا فجّا ومتجعدا جلفا . فإذا عملت القصيدة فهذّبها ونقّحها ؛ بإلقاء ما غثّ من أبياتها ، ورثّ ورذل ، والاقتصار على ما حسن وفخم ، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه ، حتى تستوى أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها . فقد أنشدنا أبو أحمد رحمه اللّه قال : أنشدنا أبو بكر بن دريد : طرقتك عزّة من مزار نازح * يا حسن زائرة وبعد مزار ثم ثال أبو بكر : لو قال : « يا قرب زائرة وبعد مزار » لكان أجود . وكذلك هو لتضمّنه الطّباق . وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان ،